اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

387

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ثم يتابع ساحل أفريقيا الشمالي ابتداء من برقة إلى المحيط ثم يلي هذا بالتتابع وصف مراكش والبربر والسودان والزنوج ، وتشغل الأندلس الجزء الأخير « * » . وتقدير العلماء الأوروبيين للدمشقى لا يخلو من بعض التحفظ فهم يعتبرونه عادة دون الكوزموغرافيين الآخرين من وجهة النظر العلمية ، فمثلا دفيك Devic يراه دون القزويني بكثير سواء من حيث المعرفة أو روح النقد 26 . والدمشقي على نقيض أبى الفدا يهمل الجغرافيا الرياضية ولكن كتابه الذي يعتبر في آن واحد مصنفا في الجغرافيا والكوزموغرافيا يفضل كتاب أبى الفدا من حيث تبويب مادته ولو أنه أقل ملاءمة لروح عصره 27 ؛ وهو ذو أهمية كبيرة من وجهة نظر التاريخ الطبيعي 28 لأنه يحفل بمعطيات وافرة في النبات والحيوان والمعادن وطبقات الأرض ؛ ويغلب على طابع الكتاب الميل إلى الروحيات ولكن ليست من ذلك الطراز البدائي البسيط . ومن تحليل مصنف آخر له يجادل فيه نصارى قبرص الذين تصدى للرد عليهم أيضا مواطنه ومعاصره المشهور ابن تيمية يستبين لنا أن الدمشقي لا ينتمى إلى مدرسة المتصوفين القديمة المعادية لكل فكر فلسفي بل ينضم إلى ذلك الاتجاه الذي اقتفى أثر ابن العربي والذي يجيز تطبيق المنهج التشككى في حدود معينة 29 . ومما يزيد في قيمة كوزموغرافيا الدمشقي والمصنفات المشابهة له وجود معلومات غير قليلة فيها نفتقدها لدى المؤلفين الآخرين ، هذا إلى جانب الإشارة إلى مواضع جغرافية معينة تصمت عنها المصادر الأخرى صمتا مطبقا . وتحتل المكانة الأولى مادته عن الشام وفلسطين التي عاش كل حياته فيها والتي يعتبر كتابه مصدرا أساسيا بالنسبة لجغرافيتها وتاريخها ، وفي الواقع أن وصفه لهذه البلاد يعتبر من أكمل ما عرف في هذا الصدد 30 ، وعند المقارنة به تهبط قيمة الأقسام الأخرى من كتابه المكرسة للكلام على البلاد الواقعة إلى الشرق من البلاد العربية خاصة مناطق المحيط الهندي 31 كما بين ذلك فيران Ferrand . أما فيما يتعلق بالهند نفسها فقد أدان العلماء الدمشقي بأخطاء عديدة 32 . وترد الإشارة في مقدمة بعض المخطوطات إلى خارطة بالكتاب إلا أنه لم يمكن الكشف عنها حتى الآن في أية واحدة من المخطوطات - - المعروفة 33 ؛ بيد أنه إذا أخذنا في الاعتبار أن جميع كتب الكوزموغرافيا من هذا الطراز كمصنف القزويني والحراني وابن الوردي قد وجدت بها خارطة مستديرة للعالم فإن الاحتمال يغلب بوجودها عند الدمشقي أيضا . وبعض مخطوطات الكتاب يحمل عددا كبيرا من الرسومات التخططية ، ويقدم لنا كونراد ميلر تحليلا لثلاثة منها يبين أحدها تقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم ويوضح الآخر توزيع الشعوب على الأرض بينما يمثل الثالث رسما للبحر الأبيض المتوسط 34 . والدمشقي نادرا ما يشير إلى مصادره وهي جميعها أسماء معروفة لنا كابن حوقل والمسعودي والبكري والإدريسى 35 ؛ ويحتل مكانة بارزة من بينها معاصره أحمد الطيني ، ولعله هو نفس ذلك المؤلف

--> ( * ) لا ضير في أن نضيف أن الباب التاسع والأخير يبحث « في وصف انتساب الأمم إلى سام ويافث وحام أولاد نوح » . ( المترجم )